النويري
25
نهاية الأرب في فنون الأدب
وأقبل علىّ وسكَّن منى [ 1 ] ، وأمر جدّى بالانصراف ؛ وأما إلى الجماعة فحدّثونى وسقيت أقداحا [ 2 ] وغنّى المغنون جميعا ؛ وأومأ إلىّ إسحاق بعينه أن ابدأ فغنّ إذا بلغت النوبة إليك قبل أن تؤمر بذلك ليكون ذلك أملح وأجمل بك . فلما جاءت النّوبة إلىّ أخذت عودا ممن كان إلى جنبي وقمت قائما واستأذنت في الغناء ؛ فضحك الرشيد وقال : غنّ جالسا ؛ فغنيّت لحنى الأوّل ، فطرب واستعاده ثلاث مرّات وشرب عليه ثلاثة أنصاف . ثم غنيّت الثاني فكانت هذه حاله ، فسكر ودعا بمسرور وقال : احمل الساعة مع عبد اللَّه عشرة آلاف دينار وثلاثين ثوبا من فاخر ثيابي وعيبة مملوءة طيبا ، فحمل ذلك كله معي . قال عبد اللَّه : ولم أزل كلما أراد ولىّ عهد أن يعلم من الخليفة بعد الخليفة هو أم غيره دعاني وأمرني أن أغنّى ، فأعرّفه يميني فيستأذن الخليفة في ذلك ، فإن أذن لي في الغناء علم أنه ولىّ عهد وإلا عرف أنه غيره ، حتى كان آخرهم الواثق فدعاني في أيام المعتصم وسأله أن يأذن لي في الغناء ، فأذن لي ثم دعاني من الغد فقال : ما كان غناؤك إلا سببا لظهور سرّى وأسرار الخلفاء قبلي ! واللَّه لقد هممت أن آمر بضرب رقبتك ! لا يبلغني أنك امتنعت من الغناء عند أحد ، فو اللَّه لئن امتنعت لأضربن عنقك ! فأعتق من كنت تملكه يوم حلفت ، وطلَّق من كان عندك يومئذ ، وأرحنا من يمينك هذه المشئومة . فقمت وأنا لا أعقل جزعا منه ؛ فأعتقت جميع ما كان بقي عندي من مماليكي الذين حلفت يومئذ وهم في ملكي ثم تصدّقت بجملة ، واستفتيت في يميني أبا يوسف القاضي حتى خرجت منها ؛ وغنيّت بعد ذلك إخواني جميعا حتى اشتهر أمرى ، وبلغ المعتصم خبري فتخلَّصت منه .
--> [ 1 ] كذا في الأغانى . وفى الأصل : « وأقبل على الجماعة وشكر منى الخ » . [ 2 ] في الأغانى : « وسقيت الجماعة وغنى الخ » .